Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com
اقليم كردستان بعد استفتاء تقرير المصير

فريد اساسرد

اقليم كردستان بعد استفتاء تقرير المصير

فريد اساسرد

ان التوصيف المستخدم في الماضي، قبل استفتاء تقرير المصير في 25 ايلول 2017، للتعريف باقليم كردستان العراق هو انه يشكل "شبه دولة" او "اكثر من فدرالية وأقل من دولة مستقلة".
وفي السنوات الاخيرة، وبالتحديد ابتداءا من عام 2014، بعد تأزم العلاقة واعتماد الاقليم على اقتصاد نفطي مستقل، صارت العلاقة بين الاقليم وبغداد اشبه بعلاقة كونفدرالية غير معلنة رسميا. يلح هنا على الذهن سؤال مهم، وهو انه طالما كان النظام السياسي في العراق اتحاديا وطالما حدد الدستور السلطات الممنوحة للاقليم بوضوح، كيف اتيحت الفرصة لظهور اقليم "شبه مستقل" يستأثر بصلاحيات تتجاوز حدود الفدرالية". ان الجواب على هذا السؤال مرتبط بظروف خارجة عن السيطرة في حقبة سياسية حساسة غير مستقرة دفعت العراق نحو الوقوع في تجربة الفوضى. ان الصلاحيات التي حازها الاقليم بعد عام 2003 لا تشكل في جوهرها صلاحيات "ممنوحة" بحكم الدستور، بل انها كانت موجودة بحكم الامر الواقع قبل اقرارها في وثيقتي "قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية" لعام 2004 و نص دستور 2005. ان مراجعة ظروف ما بعد حرب الخليج الثانية توضح ان الاقليم ظل قائما ضمن منظومة سياسية فدرالية غير رسمية طوال الفترة الممتدة بين الاعوام 1992-2004. لقد تم الاعلان عن اختيار الفدرالية كنظام سياسي لعراق المستقبل في مؤتمر صلاح الدين في عام 1992، وهو المؤتمر الذي حضرته اطياف المعارضة العراقية. وفي العام نفسه اقر البرلمان الكردستاني، بالاستناد على مقررات مؤتمر صلاح الدين، في 4 تشرين الاول 1992 اعتماد الفدرالية اساسا لتنظيم العلاقة السياسية والقانونية والادارية بين اقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد. يعني ذلك ان ظهور حكومة اقليم كردستان، بصفتها حكومة اقليم فدرالي، يسبق ظهور الحكومة المؤقتة في بغداد في حزيران 2004، بأثني عشر سنة.
فيما بعد، قدم الاكراد كل الدعم للتوصل الى دستور فدرالي في العراق وشاركوا بشكل فعال في كتابته. حصل الاقليم على حقوق وصلاحيات موسعة في قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر في عام 2004 وانتقلت تلك الحقوق والصلاحيات بشكل تلقائي الى دستور عام 2005. وفي كلا الوثيقتين الرسميتين اتخذت عملية تحديد حقوق وصلاحيات الاقليم شكل توزيع الصلاحيات بين المركز والاقليم. وعلى وجه الخصوص، حصل الاكراد على اعتراف رسمي باقليمهم، وعلى مصادر جديدة للدخل وحقوق تتعلق بادارة مصادر الطاقة ومشاركة فعالة في المؤسسات الاتحادية.
وفي الحين الذي اضطرت فيه بغداد الى مواجهة مشاكل متزايدة طرحتها الاوضاع غير المستقرة وظهور مجاميع مسلحة معادية للنظام الجديد ونشاط فعال لمنظمة القاعدة، وفي ظل انهيار الدولة وتفكك الجيش وتردي الخدمات العامة وتفاقم المشاكل الامنية، تغاضت بغداد عن صلاحياتها الحصرية والمشتركة في الاقليم وركزت بشكل رئيسي على مواجهة التحديات المصيرية التي فرضتها مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.
هكذا آلت كثير من الصلاحيات الحصرية والمشتركة للحكومة الاتحادية بشكل تلقائي الى حكومة اقليم كردستان. انفرد الاقليم بوضع مستقر آمن مكن الحكومة الاقليمية من تحسين الوضع الاقتصادي المتدهور. وشهد الاقليم نهضة سريعة على كافة المستويات. اعتمادا على الاستقرار الامني وتحسن وضع الطبقة الوسطى والنهضة الاقتصادية وتدفق الاستثمارات وايجاد مؤسسات وتشريعات فعالة وتوفر فرص عمل واسعة، حقق الاكراد مكاسب اقتصادية وسياسية غير مسبوقة. تدعمت قوة الاقليم بعلاقات دولية قوية، اقتصادية وسياسية، مع الجارتين المهمتين، ايران وتركيا. ومع توفر فرصة استثمار الثروة النفطية، بشكل احادي ودون تنسيق مع المركز، جذب الاقليم كبرى شركات النفط العالمية للاستثمار في مجال الطاقة.
في هذا الجو اكتسبت الدعوة الى تقرير المصير زخما هائلا، لاسيما بعد توجه الحكومة الى سياسة تبغي تحقيق الاستقلال الاقتصادي بالاعتماد على مبيعات النفط. ترافقت كل تلك التحولات في عام 2014 مع واقعة هامة وهي سيطرة داعش على الموصل واجزاء اخرى واسعة من مناطق غرب العراق واعلانه ما عرف باسم الدولة الاسلامية في العراق والشام. وقد دفع هذا التطور المفاجيء الى تزايد التكهنات بقرب انهيار جديد للدولة في العراق وبحرب طائفية شرسة وتفكك الكيان السياسي للعراق كدولة موحدة. وفي خضم هذه الاجواء وكنتيجة لها، تمدد الاقليم نحو المناطق المتنازع عليها، فسيطرت قوات البيشمركة عليها بعد انسحاب القوات العراقية حتى لا تقع تحت سيطرة داعش. على الرغم من ان ذلك لم يكن مخططا له، فأن هذه التطورات دفعت بالاقليم نحو الصدارة. وفي ظل مسارعة الغرب الى مواجهة تمدد داعش الذي صار يشكل خطرا على الامن العالمي، تلقى الاقليم، ضمن الخطة الدولية ضد داعش، وفي اطار العراق، دعما عسكريا ساهم بشكل جذري في الحفاظ على امن الاقليم وتعزيز القدرات العسكرية لقوات البيشمركة وكسر شوكة داعش.
ان السمعة العالمية لقوات البيشمركة باعتبارها قوات مناهضة لارهاب داعش، جعلت الاكراد جزءا من التحالف الدولي ضد داعش. يعد هذا اكبر انخراط للاكراد، في العراق وسوريا، في السياسة الدولية. هكذا، توفرت الشروط المطلوبة، من وجهة نظر النخبة السياسية الحاكمة في الاقليم، لانجاز تقرير المصير. ان طريقة التفكير هذه، مزجت بين القراءة الخاطئة لحجم الرفض الدولي والاقليمي لاستفتاء تقرير المصير وبين التسرع والتصلب والمجازفة وعدم الاستناد على وقائع حقيقية.
البنية التحتية للاستفتاء
اعتمد الاقليم قبل الاستفتاء على ثلاث مصادر للدخل تتمثل اولا، في حصوله سنويا على نسبة 17% من الميزانية العامة للدولة بموجب توافق مع حكومة اياد علاوي في عام 2004، وثانيا، ايرادات اربعة معابر حدودية، واحدة مع تركيا وثلاثة مع ايران. طوال اثني عشر عاما، ابتداءا من تشكيل حكومة الاقليم في عام 1992 حتى التوافق مع حكومة علاوي، استخدمت حكومة الاقليم ايرادات هذه المعابر لتأمين المتطلبات الداخلية. وفي عام 2007 سن برلمان الاقليم قانونا منح حكومة الاقليم صلاحية ادارة النفط. وعلى الرغم من ابرام عدد كبير من العقود النفطية، فانها ظلت سرية ولم تنشر الا في ايلول 2011 واتضح انها في مجملها عقود مشاركة الانتاج وليس عقود خدمات التقنية مثلما هو معمول به في العراق. تحولت هذه العقود الى نقطة خلافية بين الاقليم وبغداد. اضفت هذه العقود في المرحلة الاولى قيمة اكبر على دور الاقليم كمركز مهم على خريطة الطاقة العالمية وساهمت في ربط مصلحة الاقليم بمصالح الدول العظمى من خلال الشركات النفطية. وفي النهاية، فأن ايرادات النفط شكلت المصدر الثالث لدخل حكومة الاقليم. تفاقمت الخلافات بين الاقليم والمركز بسبب تلك العقود وهدد رئيس الاقليم مسعود بارزاني في لقاء مع قناة الحرة الفضائية بالانسحاب من حكومة المالكي اذا تم رفض تلك العقود. ومع ان ذلك التهديد لم ينفذ، الا انه يشكل دليلا على مدى اهمية الملف النفطي بالنسبة للجانبين، كما انه لا يمكن قطعا اهمال الطابع السياسي للعقود المبرمة.
على الصعيد السياسي، حظيت نظرية "الاستقلال الاقتصادي" باهتمام بالغ في الشارع ودعمت بشكل متزايد النزعة القومية المتنامية، التواقة الى "الاستقلال السياسي" وجرى طرح "الاستقلال الاقتصادي" كبوابة نحو الاستقلال السياسي. في عام 2013 لجأ الحزب الديمقراطي الكردستاني خلال الانتخابات التشريعية الى استخدام ورقة "الاستقلال" لكسب اصوات الناخبين ووعد مواطنيه بدعم سياسة "الاستقلال الاقتصادي" وبحصة لكل مواطن من مبيعات النفط. ومن الواضح ان ثالوث النفط والانتخابات والاستقلال قد حقق النتائج المرجوة. حصل الديمقراطي في تلك الانتخابات على 38 مقعد من اصل 111 مقعد في برلمان الاقليم، ما يعني انه حصل على 34% من مجموع الاصوات، ما جعله في الصدارة وبروزه كأكبر حزب في الساحة السياسية على الرغم من انه لم يحقق الاغلبية المطلقة.
مع اقتراب معركة الموصل من الحسم العسكري، تسارعت الخطى في الاقليم لطرح موضوع الاستفتاء. تقرر كل شيء على عجل ودون مشاورة المركز، مع الاستهانة برفض دول الجوار والمجتمع الدولي ومجلس الامن الدولي. جرى الترويج لنظرية تقرير المصير بمعناها "المطلق" وبشكل تجريدي ما جعل "الحق" الشرعي في الاستقلال في مواجهة ساخنة مع "مصالح" الجوار و "عدم تفهم" المجتمع الدولي لضرورة الخطوة الكردية. وفي الاسبوعين الذين سبقا الاستفتاء، اهملت النخبة السياسية المؤيدة للاستفتاء كل جهود الوساطة الدولية التي كانت كافية لمنع تعرض الاقليم لانتكاسة سياسية وعسكرية.
اقليم ما بعد الاستفتاء
يشكل اخفاق الاستفتاء في حد ذاته تجربة مكلفة وانكماشا لدور الاقليم، ولكن ليس على وجه الاطلاق. عمليا، فأن هذا الاخفاق ستكون له تداعيات سيئة ستجعل الاقليم يفقد الكثير من امتيازاته ومصادر دخله وقوته السياسية. فقبل كل شي تعرض الاقليم لهزيمة مرة على الصعيد العسكري وحققت القوات العراقية المشتركة كل اهدافها العسكرية وفق الخطط الموضوعة في وقت قياسي. فبعد ثلاث معارك كبيرة، تبين بشكل لا يحتمل التأويل ان ميزان القوى ليس في صالح الاقليم. سيطرت القوات العراقية على كركوك و طوزخورماتو وآلتون كوبري وحسمت المعركة بسرعة. في المحصلة، دخلت القوات العراقية لاحقا بقية المناطق الاخرى المتنازع عليها اما وفق اتفاقيات ميدانية، مثلما حصل في المناطق الواقعة شرق نهر ديالى و اما بعد انسحاب شامل وفوري لقوات البيشمركة دون اشتباكات مثلما حصل في المناطق الواقعة غرب وشمال غرب الموصل. تراجعت قوات البيشمركة حتى الخط الازرق الذي يشكل حتى عام 2003، قبل سقوط النظام السابق، حدود الاقليم.
انعكس وقع الهزيمة العسكرية سلبا على الاقليم وحدثت موجات نزوح جماعي نحو السليمانية وأربيل وساد العاصمة اربيل هلع شديد من احتمال اجتياح عراقي.
على المستوى السياسي تنحى بارزاني، الذي قاد حملة استفتاء تقرير المصير، عن منصبه في 29 تشرين الاول، بعد 34 يوم من الاستفتاء و 13 يوم من سيطرة القوات العراقية على كركوك، وتقاسمت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية صلاحياته. قد يكون في هذا التصرف شيء من العقلانية لانه يمكن ان يتيح الفرصة لتهدئة الوضع. واذا كان تنحيه عن منصبه قد اتخذ شكل توزيع صلاحيات الرئيس على السلطات الثلاث، فذلك لأن بارزاني لم يكن سوى رئيس منتهية ولايته ولم يكن باستطاعته تقديم استقالته بموجب القوانين. يكتسب هذا الحدث في حد ذاته اهمية بالغة وهو يعد احد اكبر تداعيات اخفاق الاستفتاء، كما يمكن ان ينظر اليه باعتباره دليلا صارخا على ان مصير بارزاني السياسي قد ارتهن منذ البداية بنتيجة الاستفتاء. تكمن اهمية الحدث في انه ينهي جدلا استمر لمدة سنتين حول عدم جواز بقائه في السلطة بسبب انتهاء فترة ولايته. كما ان توزيع صلاحياته على السلطات الثلاث، عرقل انتخاب رئيس جديد للاقليم. يثير هذا الاجراء تساؤلا حول مصير النظام السياسي شبه الرئاسي المعمول به في الاقليم. طوال السنوات الاثني عشر الماضية، اثار هذا النظام، بصلاحياته الواسعة الممنوحة للرئيس، انقساما كبيرا داخل المجتمع انعكس سلبا على العلاقة بين الاحزاب السياسية. وفي عام 2015 طالبت الاحزاب السياسية الاربع الكبرى، الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير والجماعة الاسلامية والاتحاد الاسلامي، بالغاء النظام شبه الرئاسي وتحويله الى نظام برلماني ينتخب فيه الرئيس داخل البرلمان وليس خارجه. يتيح تنحي بارزاني المجال لتعزيز الجهود للعمل بالنظام البرلماني على نفس النمط المعمول به في العراق او حسب نمط قريب منه.
وبقدر تعلق الامر بالمناطق المتنازع عليها، فأن الوضع الدستوري لهذه المناطق سيظل خاضعا للمادة 140 من الدستور. ومن المهم للطرفين، حتى يستتب السلام وتزول اسباب التنازع، ان يتم التوصل بأسرع وقت ممكن الى حلول مرضية. وليس ثمة اي شك في عزم الاكراد واصرارهم على حل هذه المشكلة. ويمكن ان يتفق الطرفان على ادارة مشتركة للمناطق ريثما يتم حسم الملف بأكمله وفق خطة عمل واضحة. يخلق انهاء ملف المناطق المتنازع عليها المناخ السايكولوجي الذي يصبح فيه ممكنا انشاء اسس جديدة للتعاون، كما ان من شأن ذلك ان ينهي صراعا عمره مئة عام تقريبا حول حدود المناطق الكردية والعربية في العراق، كما ان من شأن ذلك ايضا ان يقلل من تأثير الاحساس الكردي بخيبة الامل بعد الهزيمة العسكرية.
بعد اخفاق الاستفتاء، اكد رئيس وزراء حكومة الاقليم اكثر من مرة استعداد حكومته للدخول في مفاوضات مع بغداد "وفق الدستور" لانهاء الاشكاليات القائمة بين الجانبين. ولا ريب ان اعراب المسؤولين الكبار في الاقليم عن التزامهم بالدستور خطوة ايجابية، على الرغم من تأخرها. بالمقارنة، فقد ظل المسؤولون الحكوميون والحزبيون في الاقليم يتجنبون لفترة طويلة الاشارة الى الدستور كمرجع يمكن الاستناد عليه لحل المشاكل. وحتى في 15 تشرين الاول، عندما عقدت القيادة السياسية الكردستانية العليا آخر اجتماع لها في بلدة دوكان قبل اندلاع المعارك، تجنب البيان الختامي للاجتماع استخدام تعبير "في اطار الدستور" واستبدله بتعبير اقل تأثيرا وهو في "اطار المباديء الدستورية". وكان استخدام تلك الصيغة لتجنب الحرب اقصى "مرونة" ابداها القادة السياسيون. اما الان فالوضع يختلف. فالتأكيدات المستمرة على حل المشاكل "وفق الدستور" من جانب المسؤولين الحكوميين في الاقليم يسهم في طمأنة بغداد بأن كردستان ما بعد الاستفتاء اكثر استعدادا للوفاء بالتزاماتها حسبما يمليه عليها الدستور.
تكمن المشكلة، بالنسبة للاقليم، في ان بغداد اصبحت تتشدد في مطالباتها الدستورية ولا تلتزم بتحديد موعد للبدء بالمفاوضات. يعي الاقليم ان التزامه بالدستور سيسلبه الكثير من امتيازاته، ومع ذلك فليس ثمة خيار آخر غير الدستور للتوصل الى تفاهم. في السنوات الماضية لم تجهد بغداد كثيرا في ممارسة ضغوط فعلية على الاقليم لارغامه على التقيد الكامل بالدستور لاسباب تتعلق بانشغالها بمشاكلها في مجالات الامن والصراع الطائفي. اما الان فأن الاستراتيجية السياسية، المدعومة بتهديدات عسكرية، التي تنتهجها حكومة العبادي تقوم على اساس التنفيذ الحرفي الصارم للدستور وهي ترى في فرض السلطة الاتحادية على كل المناطق بحسب الدستور امرا لا بد منه.
هنا يتعلق الامر بمواضيع محددة، في مقدمتها موضوع المعابر الحدودية. يتحكم الاقليم بأربعة معابر حدودية. وينظم الدستور كيفية التعامل مع المعابر الحدودية في مادتين. فالفقرة الثالثة من المادة 110 تمنح السلطات الاتحادية اختصاص رسم السياسة المالية والكمركية وتنظيم السياسة التجارية عبر الحدود. اما المادة 114 فتجعل "ادارة الكمارك" اختصاصا مشتركا بين السلطات الاتحادية والاقليمية. يتبين من ذلك انه لو جرى التطبيق الحرفي للمادتين، فأن الاقليم سيفقد جزءا من احد اهم مصادر دخله وهي ايرادات الكمارك التي يجب ان تذهب غالبيتها الى بغداد. عمليا، يعني ذلك امكانية ان يفقد الاقليم سيطرته على الحدود والتجارة الخارجية، كليا او جزئيا. يشكل ذلك مدعاة قلق شديد للاقليم. تعي بغداد حساسية هذا الملف بالنسبة للاقليم، لكن هذا الموضوع بقدر ما يوليه الاقليم اهمية بالغة، فأن بغداد ايضا تعطيه نفس القدر من الاهمية. يشكل الموضوع احد المحاور الاساسية التي سيتم التحاور بشأنها في المفاوضات. واقصى ما يمكن ان يسعى اليه وفد الاقليم المفاوض هو الالتقاء مع مفاوضيه على نقطة توافق وسطية.
وتضغط بغداد كذلك على الاقليم للتوقف عن تصدير النفط دون تنسيق مع المركز. وقد حاولت وزارة الموارد الطبيعية في الاقليم تقديم عروض لتفادي الخسائر الكبرى لكن بغداد رفضت كل تلك العروض. مع انه لا يمكن انكار ان سياسة الاستقلال الاقتصادي التي انتهجتها حكومة الاقليم لم تعد مجدية، فأن التراجع السريع عن هذه السياسة ليس بالسهولة التي تتصورها بغداد. تدرك حكومة الاقليم ان موضوع النفط، بالطريقة التي ادير بها في الماضي، صار عبئا ثقيلا لأن عقود المشاركة المبرمة مع شركات النفط العالمية تكبل الحكومة، كما ان الادارة السيئة لملف النفط في السنوات الماضية والانهيار المفاجيء لاسعار النفط في السوق العالمية والشكوك التي تحوم حول شفافية العقود ومصير الايرادات المستحصلة، يجعل ملف النفط شائكا الى اقصى حد. وقد تزامنت عودة القوات العراقية الى كركوك مع سيطرتها على حقلي آفانا وباي حسن النفطيين، وهما حقلان ظلت وزارة الموارد الطبيعية في الاقليم تستثمرهما دون تنسيق مع وزارة النفط الاتحادية لأكثر من عام وتصدر منهما كميات كبيرة من النفط الى الخارج. وفي فقدان هذين الحقلين ضرر كبير لخطط تصدير النفط وخسارة لا تعوض.
ان التجربة الفاشلة لاستثمار النفط في الاقليم تجعل السياسة النفطية المتبعة في السنوات الماضية مجرد جهد ضائع. هذه السياسة لم تعد بالفائدة على الاقليم لأنها لم تحقق المطلوب منها، وهو توفير مورد دخل يستجيب لمتطلبات الاقليم المالية والاقتصادية، بل على العكس من ذلك تسبب في افلاس غير معلن للحكومة. يتضح ذلك من تراكم الديون على الحكومة وتوقف الخدمات العامة وعدم قدرة الحكومة على صرف رواتب موظفيها. وفي ظل تزعزع الثقة بحل قريب للازمة المالية، يكتسب التوصل الى مخرج مع الحكومة الاتحادية اهمية بالغة.
ان تقلص واردات الاقليم من مبيعات النفط وتداعيات الازمة المالية تحث الاقليم على ابداء مرونة في التعامل مع شروط الحكومة الاتحادية فيما يتعلق بملف النفط والغاز. هذا الحل، الذي لا يبدو مثاليا في نظر الاقليم، ليس فقط يبدد مساعي الاقليم لتجنب الوقوع تحت هيمنة المركز، بل كذلك يهدد بفقدانه قوته الدبلوماسية الخارجية، المقامة اساسا على مبيعات النفط بسعر ارخص وعقود المشاركة. تكمن المشكلة في انه ليس هناك وضوح في كيفية التعامل مع العقود المبرمة وليست هناك آليات واضحة لتسلم الحكومة الاتحادية ملف النفط من الاقليم او التشارك في ادارته. لكن هذه التفاصيل يمكن ان تترك للمفاوضات. تطالب بغداد كذلك بالسيطرة على مطارات الاقليم، الامر الذي يقلص من واردات الاقليم المالية ويمكن ان يضع عراقيل امام تحركاته الدبلوماسية الخارجية.
في مثل هذا الجو ترتدي تصرفات بغداد شكل ضغوط متسارعة في اطار استغلال فاضح لتفاقم الازمة المالية في الاقليم. وفي كل الاحوال لا تكتفي بغداد بكل هذه الضغوط، فهي تفكر في وسائل تجعلها قادرة على دفع الاقليم بقبول ربط قواته المسلحة او جزء منها بوزارة الدفاع الاتحادية، كما انها ابدت تحفظاتها على وجود هيئات دبلوماسية للاقليم في الخارج. واعتبرت وجودها لا ينسجم مع نص الفقرة الرابعة من المادة 121 التي تمنح الاقاليم والمحافظات حق تأسيس مكاتب دبلوماسية في السفارات، وليس خارجها، بتنسيق مع وزارة الخارجية لأدارة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية.
في السنوات التي تلت تأزم العلاقة بين حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية، تجنبت حكومة الاقليم ارسال ممثلين الى بغداد للمشاركة في وضع الميزانية السنوية للدولة لتتفادى موضوع تسليم النفط مقابل تخصيص نسبة 17% من الميزانية للاقليم. لكن الاستمرار على هذا التصرف لم يعد مجديا ولا يستقيم مع اوضاع ما بعد الاستفتاء. لقد استنكرت حكومة الاقليم اقدام حكومة العبادي على وضع ميزانية عام 2018 بشكل احادي ونددت بتخفيض حصة الاقليم من 17% الى 12.6%. وفي آخر تصريح له حول هذا الموضوع، قدم رئيس حكومة الاقليم نيجيرفان بارزاني عرضا ينم عن عمق الازمة المالية في الاقليم، معلنا بكل وضوح في 6 تشرين الثاني استعداد حكومته لتسليم الملف النفطي بكل تفاصيله الى بغداد مقابل الابقاء على حصة 17% من الميزانية الاتحادية للاقليم.
ان المعركة المقبلة بين حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية ستكون في بغداد، لكن هذه المعركة ستكون معركة سياسية وستجري على مائدة المفاوضات. يرغب الاقليم في مفاوضات بناءة تعيد بناء العلاقة على اساس الدستور وفيها سيعرف الاقليم حدود صلاحياته، كما ان بغداد ستسعى الى اعادة تنظيم العلاقة مع الاقليم على اساس بنيات جديدة يلتزم بها الاقليم ويتكيف معها. قد يكون في ذلك اضعاف لمركز الاقليم السياسي لكنه سيمنح الاكراد فرصة لتجريب ديناميات جديدة للاستمرار وتشكيل مركز ثقل في العملية السياسية بالاستناد على آليات اكثر اعتدالا. على الرغم من خسارة الكثير من الامتيازات، فأن الجانب الحيوي من المسألة هو ان الاكراد لن يعودوا الى المربع الاول مثلما حدث في عام 1975 عند انهيار الثورة الكردية بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وايران. للتفوق العراقي في مواجهته مع كردستان حدود لا يمكن تجاوزها، وهي حدود ترتدي طابعا دستوريا ومؤسسة على التزامات يؤدي الاخلال بها الى عودة العراق الى زمن النزاعات المسلحة.
مثلما يجد الاكراد انفسهم بحاجة الى توافق مع بغداد لأنهاء الخلافات، فأن بغداد نفسها بحاجة الى حقبة طويلة من الوئام والسلام بعد القضاء على داعش. يعني ذلك ان هناك مصلحة مشتركة بين الاكراد وبغداد للتوصل الى تفاهم طويل الامد.
ان الاقليم بحاجة الى تعاون بغداد معه للمساعدة لتخفيف اعباء الديون عن كاهله. والظروف الحالية السائدة في الاقليم تدفع باتجاه ابداء استجابة اكبر للتعامل مع عروض بغداد. لكن على بغداد ان تسهل امكانية التوصل الى تفاهمات مقبولة حتى يكون بالامكان اشاعة الثقة والنية الحسنة وحتى يكون في مقدور الجانبين الانصراف الى معالجة المشاكل.
ليس هناك اسباب تدعو الى الاعتقاد بأن اخفاق الاستفتاء يمكن ان يتسبب في تراجع كبير للدور الكردي في المؤسسات الاتحادية وفي المشاركة في الحكومة الاتحادية. ولا يشترط ان يرتبط هذا التراجع بأخفاق الاستفتاء بشكل مباشر. ففي السنوات الاخيرة انحسر الدور الكردي في السياسة العامة للدولة لأسباب اخرى لا علاقة لها بالاستفتاء، في مقدمتها اختفاء شخصيات كردية فاعلة، على رأسها الرئيس جلال طالباني، من المشهد السياسي، كما يرتبط هذا التراجع بتورط بعض السياسيين المتنفذين الكرد في شبهات فساد.
يمتلك الاكراد ثقلا انتخابيا واضحا في النظام الانتخابي العراقي وهذه الميزة لا يستطيع احد سلبها منهم. تسيطر الكتل الكردية في مجلس النواب العراقي على نسبة قريبة من 20% من المقاعد. وفي الماضي افلحت الكتل الكردية في ترسيخ تأثيرها على قرارات مجلس النواب وليس هنالك شكوك في انحسار دورها في المستقبل. وربما يتعاظم الدور الكردي في مجلس النواب اذا تولى كردي رئاسة المجلس.
واذا كان صعبا على الاكراد ممارسة دورهم الريادي بالدرجة التي مارسوها في بداية تشكيل النظام السياسي بعد عام 2003، فأنه لن يكون صعبا عليهم مواصلة دورهم وفق ديناميات جديدة للاحتفاظ بمكاسبهم وخدمة الدولة. يحظى الدور الكردي في النظام السياسي العراقي بأهمية بالغة لأن بأمكان الاكراد تعزيز التوازن الطائفي في العراق. تبرز اهمية هذا الدور عند النظر الى المسألة من زاوية ان عدم اختلال هذا التوازن يشكل جوهر الاستقرار في بلد مثل العراق يضم مجتمعات اثنية مختلفة وشهد في الماضي صراعات محتدمة.
ان تداعيات اخفاق الاستفتاء لن تكون هينة. ويدفع الاكراد الآن، بعد اخفاق الاستفتاء، ثمن اخطاء الماضي. وهذا يجعلهم غير قادرين على استخدام نفس الديناميات التي استخدموها في مرحلة ما قبل الاستفتاء. فعزوف النخبة السياسية الحاكمة عن استخدام الايرادات المالية الضخمة، المستحصلة من الكمارك ومبيعات النفط، لبناء بنية تحتية واقتصاد قوي، جعل الاقليم فاقد القدرة على مواجهة احتمالات غلق الحدود وفرض اي حصار اقتصادي. وبسبب نقص الخبرة السياسية في مجال ادارة الدولة وضعف الرؤية الاستراتيجية الخلاقة، ظهر اقتصاد غير متوازن في الاقليم افقد البنية الاجتماعية-الاقتصادية القدرة على انشاء علاقة عضوية بين الدخل وكفاءة الانتاج. واذا اراد الاقليم الحصول على بنية تحتية لاقتصاد فعال فأن عليه الاعتماد على اقتصاد سوق حقيقي بديناميات جديدة وضمانات قانونية وتفعيل ديناميات من شأنها ان تعزز العلاقة الاقتصادية شبه المقطوعة بين الاقليم وباقي المناطق العراقية الاخرى.
ولكن لا يمكن الفصل بين اقتصاد السوق وبين الديمقراطية. وليس بالامكان تعزيز هذه الديناميات الجديدة دون حل اشكاليات النظام السياسي في الاقليم وسد ثغراته. ويتطلب الوضع حسم احد اكبر مشاكل الاقليم السياسية والتي ادى الاخفاق في التوصل الى توافق بشأنها الى اثار ضارة بالعلاقات الاجتماعية والسياسية في الاقليم، وفي صدارة تلك المشاكل مشكلة عدم وجود دستور في الاقليم. يفرض الدستور العراقي في المادة 120 على الاقليم وضع دستور يحدد هيكلية المؤسسات وصلاحياتها وآليات ممارسة الصلاحيات، ولا يشترط في ذلك سوى عدم تعارض مواده مع الدستور الاتحادي.
يعيش الاقليم في هذا الظرف المرحلة الاخيرة من عصر الزعامات الكاريزمية. وهذا في حد ذاته فرصة تاريخية لبروز قيادات سياسية جديدة اكثر ارتباطا بالتحديث وأقل التزاما بثقافة الماضي الثوري واكثر استعدادا للاندماج و التكيف مع الظروف المستجدة وأوفر حظا في التصميم على الالتزام بالاعتدال وتجنب المجازفات السياسية.
تحتاج المسألة الكردية في العراق الى ديناميات جديدة للتكيف مع ظروف ما بعد الاستفتاء. وعلى الاغلب فأن تداعيات اخفاق الاستفتاء ستظل، طوال الخمسين سنة القادمة، فاعلة في تأثيرها على مسار المسألة الكردية نحو تقرير المصير. واذا توصل العراقيون الى تحقيق نموذج ناجح للاندماج السياسي والاقتصادي و تشكيل ديمقراطية متطورة وتوفر سياسة ناجحة عابرة للاثنيات، فأن اطروحة "الدولة القومية" بين الاكراد قد تتعرض للتصدع، في حين يمكن ان يكتسب الوعي القومي الكردي مظاهر جديدة مختلفة. ينبغي هنا الاشارة الى ان المشروع القومي الكلاسيكي الكردي لم يعد مجديا وان احد اكبر مثالبه هو انه يعاني من خلل بنيوي في توظيف المظلومية لتبرير كل سلوك. يتطلب ذلك تحديث المشروع القومي الكردي على اسس جديدة، بينها المصلحة والديمقراطية والتنمية.
لقد ظل نموذج كردستان العراق طوال السنين الماضية مصدر الهام للاكراد في الدول الاخرى. ومن الطبيعي ان يخف تأثير هذا النموذج على اكراد الجوار اذا فقد الاقليم الكثير من قوته السياسية، لكن ليس هناك ما يدعو الى الظن ان تراجع دور الاقليم يمكن ان يصيب اكراد الجوار بالاحباط، لأن الاقليم يمكن ان يظل داعما للكفاح السلمي لأكراد الجوار وهو بالتأكيد يتعاطف مع كفاحهم من اجل استحصال حقوقهم القومية، كما انه سيظل محتفظا بتأثيره الثقافي والادبي، ويمكن كذلك ان يساهم في وساطات لتقريب وجهات النظر بين اكراد الجوار وحكوماتهم. وفي كل الاحوال، فأن الاقليم لايشكل عاملا حاسما في كفاح اكراد الجوار، لأن المسألة الكردية في الجوار لها اسبابها الموضوعية وترتبط بسعي الكرد لاستحصال حقوقهم واعادة تنظيم علاقتهم بحكوماتهم على اسس جديدة. وهذه العوامل لا دخل للاقليم فيها، لكن لا يمكن انكار ان اكراد الجوار سيظلوا محظوظين بوجود اقليم كردستان العراق بجوارهم.
وثمة نقطة يجب التنبه لها. ان الرفض الغربي لفكرة كردستان مستقلة لا يعني تخلي الغرب بالكامل عن اقليم كردستان. وفي سياق الاوضاع المتقلبة في الشرق الاوسط واستمرار حالة عدم الاستقرار فيها، لا يرغب الغرب في حشر اقليم كردستان في زاوية ضيقة الى الحد الذي يكون فيه الاقليم مسلوب الارادة بالكامل. لقد تعلم الغرب من تقلبات الشرق الاوسط ان الاكراد يمكن ان يكونوا جديرين بالثقة وان اضعافهم بصورة مبالغ فيها لا يشكل مصلحة غربية.

Print