Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com
اتفاقية الجزائر بين وعود الشاه وقرار انهاء الثورة الكردية

فريد اساسرد
اتفاقية الجزائر بين وعود الشاه وقرار انهاء الثورة الكردية

فريد اساسرد

في عام 1975 وبعد اسبوعين من الاعلان عن اتفاقية الجزائر، المبرمة بين شاه ايران وصدام حسين، انهارت الثورة الكردية بشكل مفاجيء لم يكن في الحسبان.
اليوم، وبعد مرور 43 عام على هذا الحدث، نجد انفسنا بحاجة ماسة الى قراءة مختلفة وتحليل ادق يتجاوز النظريات القديمة حول وجود "مؤامرة دولية" ضد الاكراد و"خيانة الشاه" وتراجعه عن توفير الدعم المطلوب. يفترض ذلك، بطبيعة الحال، تقديم رؤية موضوعية جديرة بتوفير اجابة وافية لهذا السؤال: هل ان انهيار الثورة الكردية في عام 1975 كان حتميا ام انه كانت هناك فرصة لتجنب هذا المصير المؤلم؟ وبتعبير آخر: هل كان قرار انهاء الثورة في عام 1975 قرارا حكيما وصائبا؟
وحتى يتسنى لنا الاجابة على هذا السؤال، يجب تناول الموضوع ضمن اطارين محددين، يرتبط اولهما بتهديدات صدام حسين وثانيهما بوعود الشاه.
بقدر ما يتعلق الامر بالاطار الاول، فأن صدام حسين كان قد هدد القيادة الكردية قبيل اندلاع القتال بأنه سوف لن يقاتل الكرد الى ما لا نهاية، بل سيقاتل لمدة عام واحد فقط وانه سيعمل ما في وسعه خلال هذا العام للقضاء على الثورة الكردية وانه متى ما اقتنع ان حربه ستطول، سيلجأ دون ادنى تردد الى مساومة الشاه الايراني واجراء الصلح معه والتنازل له عن نصف شط العرب.
يعني هذا ان القيادة الكردية كانت قد تنبهت منذ البداية الى احتمال مصالحة عراقية-ايرانية. على انه يبدو، مثلما اوضحت الاحداث اللاحقة، ان القيادة الكردية استبعدت اي احتمال لمصالحة عراقية-ايرانية واخرجت هذا الاحتمال من تفكيرها بشكل مطلق. والدليل على ذلك هو ان القيادة الكردية بعد الاعلان عن اتفاقية الجزائر، لم يكن في متناول يديها اية خطة محكمة ولم تكن مستعدة لأي طاريء.
قلما يفصح السياسيون بصراحة تامة امام منافسيهم بما يجول في خاطرهم. ولم يكن صدام حسين من هذا الطراز، فقد افصح بدقة متناهية عن خطته للقيادة الكردية ونفذ خطته حرفيا. ان كان ذلك يشكل دلالة على شيء ما، فأنه في الغالب يدل على ان صدام قد راهن على عام واحد من الحرب وعلى ارضاء الشاه، اما القيادة الكردية فأنها راهنت على مستقبل ضبابي.
وبقدر تعلق الامر بوعود الشاه، فأن الشاه كان قد وعد قبيل اندلاع الحرب في عام 1974 بدعم ثورة الاكراد العراقيين واوفى بوعده لعام كامل، ففتح حدود بلاده للاكراد ووفر لهم المدفعية ومضادات الجو وسمح بوصول كل انواع السلع والمواد الغذائية من ايران الى مؤسسة "فروشكاه" التي كانت القيادة الكردية قد اسستها وسيطرت عن طريقها على الحركة التجارية مع ايران. ولم تتوقع القيادة الكردية ان يقايض الشاه اكراد العراق بنصف شط العرب، كما انها لم تتوقع ان يرضى الشاه بأقل من اسقاط النظام البعثي. قطعا، فأن طريقة التفكير هذه، التي طغت على ذهنية القيادة الكردية لم تكن خاطئة بالمطلق، لكن نقطة الضعف فيها تكمن في ان القيادة لم تتوقع اي تغيير في الموقف الايراني بشكل مطلق. والحقيقة هي ان الشاه كان يرى ان الاكراد الذين صمدوا لمدة 13 عام وحاربوا اربعة انظمة عراقية متتالية بكفاءة منقطعة النظير، يتوقع منهم ان يصمدوا هذه المرة ايضا ويواصلوا حربهم لسنوات طويلة ضد النظام البعثي. لكنه ابتداءا من اواخر خريف عام 1974، وبعد تزايد ضغط الجيش العراقي على منطقة حاج عمران معقل القيادة الكردية، تزعزعت ثقة الشاه تدريجيا بقدرة الثورة الكردية على الصمود. هكذا، فأنه بين الخروج من الصراع صفر اليدين وبين الخروج منها بمكسب جيد، اختار الشاه الخيار الثاني.
عند التدقيق في اتفاقية الجزائر، يتضح لنا ان الشاه هو الرابح الاكبر منها لأنه حصل على نصف شط العرب ووضع حجر الاساس لابعاد العراق عن الكتلة الاشتراكية. كما ان النظام البعثي ايضا يعد رابحا لأنه تخلص من اكبر تهديد ضده في الداخل. اما الطرف الخاسر فهي كردستان بالتأكيد لانها خسرت كل شيء وتحول 170 الف من مواطنيها، الذين يشكلون نسبة قريبة من 8% من السكان، الى لاجئين في ايران.
عندما تقرر انهاء الثورة، كانت قوات البيشمركة الكردية مؤلفة من 60 الف مقاتل. وهذا ما يدفع الى القول انه بغض النظر عن الطريقة التي يجري فيها تحليل الوضع، فأنه لو تم اتخاذ قرار بالاستمرار بالثورة، فأنه لم يكن صعبا فرز خمسة الاف مقاتل على اقل تقدير لخوض حرب عصابات طويلة الامد، الامر الذي كان يتيح الفرصة لاستمرار التجربة الثورية الكردية في ظروف مشابهة للظروف التي مرت على تلك التجربة في سنوات 1961-1965.
صحيح ان الشاه تخلى عن دعم الثورة الكردية في العراق، وصحيح ايضا ان الادارة الامريكية في عهد نيكسون-كيسنجر قد باركت اتفاقية الجزائر، لكن قرار انهاء الثورة لم يتخذ لا في طهران ولا في واشنطن. ان تاريخ الثورات في العالم يوضح انه يمكن للثورات ان تنتكس وان تقمع، لكنها لا تنتهي بقرارات صادرة من الخارج.
بعد عام واحد فقط من انهيار الثورة، استؤنف الكفاح المسلح مجددا في كردستان. وفي ذلك الوقت كانت اتفاقية الجزائر سارية المفعول ويتم العمل بها من جانب العراق وايران وكان قد تم تطبيع العلاقات بين البلدين. يدل ذلك على ان اتفاقية الجزائر لم تكن عقبة امام استمرار الثورة في عام 1975 ولا امام اندلاعها من جديد في عام 1976.
Print